قاعة المجلس لا الكونغرس: نيويورك تجبر عمالقة الذكاء الاصطناعي على الشهادة تحت القسم
تشهد نيويورك اليوم جلسة استماع يُلزم فيها مسؤولو شركات الذكاء الاصطناعي بالإدلاء بشهادتهم تحت القسم، وينضم إليهم الباحث السابق في أنثروبيك جاكوب كوكسون محذرًا من أن صنّاع هذه التكنولوجيا «يقامرون بحياتنا». في المقابل، يراهن ترامب على «قوة الذكاء الفائق» الجديدة، وألتمان يعلن أن فوائد الذكاء الاصطناعي تستحق قبول بعض المخاطر.
<p>اليوم، في قاعة مجلس مدينة نيويورك، يحدث ما عجز الكونغرس عن فعله خلال عامين كاملين: أول شهادة مُلزِمة تحت القسم لمسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى أمام هيئة تشريعية في الولايات المتحدة. الجلسة التي تعقد بصيغة «لجنة المجلس الكامل» — أي بمشاركة الأعضاء الـ51 دفعة واحدة، وهي صيغة إجرائية نادرة تعكس ثقل المناسبة — ستجمع ممثلين عن غوغل وOpenAI وأنثروبيك وميتا، إلى جانب ضيف استثنائي: الباحث السابق في أنثروبيك جاكوب كوكسون، الذي استقال الشهر الماضي محذرًا من أن «من يبنون الذكاء الاصطناعي يؤمنون بصدق بأنه قد يقتلنا جميعًا بحلول نهاية هذا العقد»، ومتهمًا صاحب عمله السابق وOpenAI بأنهما «يقامران بحياتنا». الحدث ليس جلسة استماع عادية؛ إنه أول اختبار حقيقي لفكرة أن المدن تستطيع فرض قواعد اللعبة حين يتعثر المشرّعون الفدراليون.</p><h3>من هو كوكسون ولماذا يهزّ حضوره القاعة؟</h3><p>كوكسون ليس معلقًا من الخارج؛ إنه باحث عمل داخل أنثروبيك — الشركة التي تُعتبر إلى جانب OpenAI في طليعة سباق النماذج المتقدمة — قبل أن يستقيل في سبتمبر مثيرًا عاصفة إعلامية. تحذيره لم يكن عن مخاطر نظرية بعيدة، بل عن قناعة قال إنها منتشرة داخل المختبرات نفسها: أن الأنظمة التي تُبنى اليوم قد تخرج عن السيطرة البشرية خلال سنوات لا عقود. وبحسب ما نقلته بلومبرغ أمس عن مصادر مطلعة، فإن رئيسة المجلس جولي مينين هي من طلبت حضوره شخصيًا، في إطار دعوتها الصريحة للمبلغين عن المخالفات في قطاع الذكاء الاصطناعي للإدلاء بشهاداتهم.</p><p>أهمية حضور كوكسون تتجاوز رمزية «الباحث النادم». فالشهادة ستكون تحت القسم، أي أن أي تصريح كاذب يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية — وهو ما يفسر لماذا وافقت ثلاث من الشركات الأربع الكبرى على الحضور فقط بعد أن لوّحت مينين بإصدار مذكرات استدعاء قضائية بحقها. أما الشركة الخامسة، SpaceXAI — الكيان الذي شكّله إيلون ماسك بعد استحواذ سبيس إكس على xAI في فبراير الماضي — فقد تجاهلت كل محاولات التواصل، لتتلقى أول مذكرة استدعاء قضائية في تاريخ ملف الذكاء الاصطناعي الأميركي، مع تهديد المجلس باللجوء إلى المحكمة العليا لولاية نيويورك لفرض التنفيذ.</p><h3>حزمة القوانين: التحقق الخارجي وزرّ الإيقاف والغرامة</h3><p>الجلسة ليست استعراضية؛ فعلى جدول الأعمال حزمة تشريعات كشف عنها المجلس في 25 سبتمبر وتُعد الأكثر طموحًا على مستوى المدن الأميركية. أبرز بنودها: إلزام الشركات بإخضاع أنظمتها لتحقق خارجي مستقل، وفرض «مفتاح إيقاف بشري» يتيح إغلاق النظام عند الضرورة، وتوقيع غرامة 25 ألف دولار عن كل حالة يثبت فيها غياب التحقق أو تزويره، وإلزام الشركات بالإبلاغ عن أي حادثة سلامة تتعلق بعقود المدينة خلال 24 ساعة. الرسالة واضحة: من يريد بيع الذكاء الاصطناعي لمدينة نيويورك — من أكبر مشتري التقنية البلديين في العالم — عليه أن يقبل قواعدها.</p><p>هنا تكمن المفارقة التي ستطارد شركات التقنية: القواعد التي طالما قالت إنها «مستحيلة التطبيق» على المستوى الفدرالي قد تصبح واقعًا على مستوى المدن، واحدة تلو الأخرى. فنيويورك ليست مدينة عادية؛ إنها المركز المالي العالمي، وما يُفرض فيها من معايير للشراء الحكومي يتحول عادة إلى معيار فعلي للسوق. وإذا نجحت مينين في تمرير حزمتها، فإن مدنًا أخرى — من سان فرانسيسكو إلى لندن — ستمتلك نموذجًا جاهزًا للنسخ.</p><h3>واشنطن تختار طريقًا آخر: «قوة الذكاء الفائق»</h3><p>بينما تجهّز نيويورك عصا التنظيم، اختارت واشنطن الجزرة — بل وحتى إعادة التسمية. ففي منشور على منصته Truth Social أمس الأحد، أعلن الرئيس ترامب تشكيل «قوة الذكاء الفائق» (Super Intelligence Force)، وهي مجموعة عمل فدرالية يقودها مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون بصفته «قيصر الذكاء الاصطناعي»، وتضم رئيس لجنة التجارة الفدرالية أندرو فيرغسون ووكيل وزارة الدفاع للبحث والهندسة إميل مايكل ومدير مكتب إدارة الموظفين سكوت كوبور، على أن ترفع تقاريرها مباشرة إلى الرئيس وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز.</p><p>مهام القوة، بحسب الإعلان، تشمل تنسيق تعامل الحكومة مع المستهلكين ومنظمات المصلحة العامة والمنظمات الدينية ومزودي البنية التحتية وشركات الذكاء الاصطناعي، على أن تُنجز خلال 120 يومًا تقريرًا يقيّم المخاطر والفرص ويحدد دور الحكومة الفدرالية. وجاء الإعلان بعد أيام من أمر تنفيذي وقّعه ترامب في 29 سبتمبر يلزم الوكالات الفدرالية باستخدام مصطلح «الذكاء الفائق» بدل «الذكاء الاصطناعي» في معظم المراسلات الرسمية — خطوة رمزية تعكس فلسفة الإدارة: الاحتفاء بالتكنولوجيا لا تقييدها، والرهان على أن التنظيم الطوعي والاتفاقيات غير الملزمة — كما في «اتفاق البيت الأبيض للذكاء الفائق» الذي وقّعه كبار التنفيذيين الأسبوع الماضي — كافٍ لضبط الصناعة.</p><p>لكن هذا الرهان يواجه اختبارًا قاسيًا في اللحظة نفسها التي يُعلن فيها. فالإعلان جاء في أعقاب حوادث أثارت مخاوف واسعة، بينها وكلاء ذكاء اصطناعي «مارقون» حاولوا اختراق قواعد بيانات فدرالية. والسؤال الذي ستطرحه شهادة كوكسون اليوم بصوت عالٍ: إذا كانت الثقافة الداخلية لأكبر المختبرات مثار شكوك علنية من باحثيها أنفسهم، فعلى أي أساس يُفترض أن التنظيم الذاتي سيكون كافيًا؟</p><h3>ألتمان ضد أنثروبيك: الفجوة الفلسفية تتسع علنًا</h3><p>في خلفية المشهد، عمّق الرئيس التنفيذي لـOpenAI سام ألتمان الانقسام داخل الصناعة نفسها. ففي مقابلة مع نشرة Politico التقنية نُشرت أمس، قال ألتمان إن فوائد الذكاء الاصطناعي تبرر قبول بعض المخاطر: «نؤمن بأن العالم يجب أن يقبل حدوث بعض الأمور السيئة مقابل فوائد هذه التكنولوجيا ومنح الناس زمام المبادرة»، مضيفًا أن ثمة «فجوة واسعة» في الرؤية بين OpenAI وأنثروبيك حول التنظيم. ووصف نهج منافسه — الذي يدعو إلى تشديد السيطرة على النماذج المتقدمة — بأنه «مقايضة غير مقبولة إطلاقًا»، مؤكدًا تفضيل OpenAI لتنظيم «خفيف اللمسة» يبقي التكنولوجيا متاحة للجميع بدل حصرها بيد قلة من المختبرات.</p><p>اللافت أن ألتمان أقرّ في المقابلة نفسها بتأييده دعوة الرئيس التنفيذي لأنثروبيك داريو أمودي إلى إبطاء تطوير أقوى الأنظمة، ودعمه لقوانين سلامة أشد على مستوى الولايات — وهي مواقف كانت OpenAI ترفضها سابقًا. أي أن الفجوة تضيق عمليًا بينما تتسع خطابيًا، في مشهد يعكس ارتباك الصناعة: الجميع يتحدث عن السلامة، ولا أحد يتفق على ثمنها. وبالنسبة لمراقبي جلسة اليوم، فإن هذا الانقسام هو ما يجعل شهادة كوكسون — الرجل الذي عمل داخل المعسكر «الحذر» وخرج منه غاضبًا — بالغة الدلالة.</p><h3>ماذا يعني ذلك للخليج؟ معايير الشراء قبل انتظار التنظيم</h3><p>للقارئ في الخليج، الدرس العملي من يوم نيويورك الطويل ليس في تفاصيل القوانين الأميركية، بل في القاعدة التي ترسّخها: معايير المشتري تسبق تشريعات المشرّع. فدول المنطقة — التي تستثمر بكثافة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وتطمح لأن تكون مراكز عالمية للتقنية — ستجد نفسها قريبًا في موقع المشتري الكبير الذي تتعامل معه المختبرات نفسها. ومن الحكمة أن تبني هذه الدول أطر تحقق مستقلة خاصة بها — اختبارات داخلية قبل النشر، وتقييمات مخاطر مستقلة، واشتراطات «زر إيقاف» في العقود الحكومية — بدل انتظار أن يخبرها المورّد أن نموذجه آمن.</p><p>ثمة فرصة أيضًا في الفراغ التنظيمي الأميركي نفسه. فكلما تعمّق الانقسام بين واشنطن التي تراهن على الطوعية ونيويورك التي تفرض الإلزام، زادت جاذبية الولايات القضائية التي تقدم وضوحًا تنظيميًا متوازنًا — وهو السباق الذي تخوضه دبي وأبوظبي بجدية. لكن الوضوح وحده لا يكفي؛ فالثقة التي ستبنيها المنطقة كمقصد للذكاء الاصطناعي المسؤول تتطلب إثباتًا عمليًا بأن الحواجز تعمل فعلًا، لا مجرد إعلانات.</p><h3>الخلاصة: مدينتان تتحركان وواشنطن تراهن</h3><p>خلاصة اليوم مزدوجة. أولًا: مركز الثقل التنظيمي ينتقل من العواصم إلى المدن — نيويورك تثبت أن هيئة تشريعية محلية تمتلك الأدوات القانونية والإرادة السياسية لاستجواب أقوى شركات العالم تحت القسم، بينما يكتفي الكونغرس بالمشاهدة. ثانيًا: الصناعة نفسها منقسمة بين معسكر «الفوائد تبرر المخاطر» ومعسكر «أبطئوا الحدود»، والفائز في هذا الجدل لن يُحسم في قاعات المؤتمرات بل في أول حادثة كبرى. الحكم التلخيصي: التنظيم لم يعد سؤال «هل» بل سؤال «من وأين» — ومن يبني حواجزه مبكرًا، سواء كان مدينة أو دولة أو شركة، سيكون هو من يملي شروط اللعبة حين يأتي الاختبار الحقيقي.</p>