الذكاء الاصطناعي

داي ون السنغافورية تتقدم بطلب اكتتاب في وول ستريت: هل أصبحت مراكز البيانات السلع الأغلى في سباق الذكاء الاصطناعي؟

قدمت داي ون لمراكز البيانات طلب اكتتابها العلني في الولايات المتحدة، مستهدفة جمع ما يصل إلى 5 مليارات دولار بتقييم يقارب 20 مليارا، لتنضم إلى موجة اكتتابات بنية الذكاء الاصطناعي التي قد تشعل أكبر جولة تمويل لمراكز البيانات في التاريخ.

<p>كشفت شركة داي ون السنغافورية لمراكز البيانات، يوم الاثنين، عن تقديم طلب الاكتتاب العام في الولايات المتحدة، لتفتح فصلا جديدا في سباق التمويل المحموم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وبحسب ملف بورصة الأوراق المالية الأمريكية، قدمت الشركة طلبها علنا بعد أن كانت قد سلكت المسار السري في أغسطس الماضي، في وقت تشير فيه تقارير بلومبرغ إلى أنها تسعى لجمع ما يصل إلى 5 مليارات دولار بتقييم يدور حول 20 مليار دولار، وهو ما سيجعلها من أكبر اكتتابات البنية التحتية الرقمية في التاريخ الحديث.</p> <h3>من بذرة صينية إلى عملاق آسيوي</h3> <p>نشأت داي ون من الأعمال الدولية لشركة جي دي إس الصينية لمراكز البيانات، وأعيدت تسميتها في عام 2025 لتخوض مسارا مستقلا بعيدا عن جذورها الصينية في وقت تتشدد فيه واشنطن حيال الاستثمارات التقنية المرتبطة بالصين. ومنذ عام 2022، وقعت الشركة حجوزات قدرات حوسبية تتجاوز 1.5 غيغاواط عبر آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا، وتدير حاليا أو تنشئ مراكز بيانات في سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وتايلند وهونغ كونغ واليابان وفنلندا وإسبانيا. وأظهرت الأرقام المعلنة في النصف الأول من 2026 إيرادات بلغت 512 مليون دولار مقارنة بـ151.5 مليونا قبل عام، أي نموا يفوق ثلاثة أضعاف، مقابل خسائر صافية اتسعت إلى 81.9 مليونا من 13.5 مليونا، وهو نمط مألوف لدى شركات البنية التحتية التي تنفق بسخاء على التوسع قبل جني الأرباح. والسؤال الذي سيواجهه المستثمرون في جولة الترويج للاكتتاب هو ذاته الذي يواجه كل شركات هذا القطاع: متى تتحول القدرات المحجوزة إلى تدفقات نقدية مستقرة؟</p> <h3>خلفها صناديق سيادية وعمالقة وول ستريت</h3> <p>قائمة المستثمرين والضامنين وحدها تكشف حجم الرهان. ففي يونيو الماضي قادت كوتيو وهايلهاوس جولة تمويل من الفئة سي بقيمة 4.5 مليارات دولار بمشاركة الصندوق السيادي الإندونيسي، فيما تضم قائمة المساهمين صندوق رؤية التابع لسوفت بنك وكين غريفين مؤسس سيتادل، وتبقى جي دي إس مساهما في الشركة رغم الانفصال الاسمي. أما الضامنون فهم مورغان ستانلي وجي بي مورغان وبنك أوف أمريكا للأوراق المالية وسيتي غروب، وهي أسماء لا تلتقي عادة إلا حول الصفقات الأكبر في السوق. وحين تضع أربعة من أكبر بنوك الاستثمار في العالم أسماءها على غلاف نشرة اكتتاب واحدة، فإن الرسالة للمستثمرين واضحة: هذه ليست مغامرة ناشئة، بل أصل بنية تحتية من الطراز المؤسسي.</p> <h3>موجة اكتتابات لا تكتمل</h3> <p>تأتي داي ون في مقدمة موجة متسارعة لا سابق لها. فشركة سويتش الأمريكية لمراكز البيانات تسعى إلى تقييم يقارب 50 مليار دولار في طرحها المرتقب، بينما تدرس شركة إن سكيل البريطانية جمع ما يصل إلى 3 مليارات دولار في اكتتاب بلندن. ويؤكد محللو القطاع أن الطلب على قدرات الحوسبة المخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يفوق المعروض المتاح بكثير، ما يحول مراكز البيانات من عقارات تقنية هامشية إلى أصول استراتيجية تتنافس عليها الدول والصناديق السيادية على حد سواء. والمفارقة أن هذا السباق التمويلي يحدث بينما ما تزال أسئلة الربحية معلقة: فمعظم مشغلي مراكز البيانات الكبار يعملون بهوامش ضيقة أو بخسائر، معولين على أن الطلب المتفجر سيملأ القدرات الجديدة قبل أن تثقل الديون كواهلهم.</p> <h3>زاوية الخليج: المشتري والمستثمر في آن واحد</h3> <p>للقراء في الخليج زاوية خاصة في هذه القصة. فصناديق المنطقة السيادية تضخ مليارات الدولارات في بنية الذكاء الاصطناعي عالميا، من شراكات الحوسبة السحابية إلى الاستثمار المباشر في الرقائق ومراكز البيانات، ودول الخليج نفسها تتحول إلى مراكز إقليمية لمراكز البيانات بفضل الطاقة الرخيصة والموقع الجغرافي بين آسيا وأوروبا. وحين تشارك الصناديق السيادية، كما فعل نظيرها الإندونيسي في جولة داي ون، في صفقات من هذا الحجم، فإن الرسالة واضحة: من يملك القدرات الحوسبية يملك ورقة ضغط في اقتصاد الذكاء الاصطناعي القادم. والسؤال المطروح في مجالس الاستثمار الخليجية اليوم ليس هل نشارك في هذه الموجة، بل أين نضع رهاناتنا: في المشغلين الآسيويين أم في البنية المحلية أم في الاثنين معا؟</p> <h3>التقييم المرتفع: رهان على المستقبل لا على الحاضر</h3> <p>لا يخلو المشهد من أصوات متحفظة. فبتقييم يدور حول 20 مليار دولار مقابل إيرادات سنوية متوقعة دون المليار، تدفع داي ون مضاعفات سعرية تذكر بأيام فقاعة شركات التقنية الكبرى، مع فارق جوهري واحد: الطلب هنا حقيقي وموثق بعقود حجوزات لا بإعلانات. ويشير المتشككون إلى ثلاثة مخاطر رئيسية: أولا، اتساع الخسائر مع كل جولة توسع جديدة، ما يعني أن الشركة ستحتاج إلى تمويل مستمر لسنوات؛ ثانيا، المنافسة الشرسة من عمالقة الحوسبة السحابية الذين يبنون قدراتهم الخاصة؛ وثالثا، خطر أن تتباطأ وتيرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إذا خيبت النماذج التوقعات التجارية. لكن أنصار الصفقة يردون بأن عقود الحجز المسبق لأكثر من 1.5 غيغاواط تمنح الشركة رؤية إيرادات لا تملكها معظم شركات التقنية عند الاكتتاب، وأن ندرة الأراضي والطاقة والتراخيص تجعل مراكز البيانات القائمة أصولا يصعب تكرارها. وفي النهاية، سيكون سعر الطرح النهائي هو الحكم: إذا أقبلت المؤسسات الكبرى على الاكتتاب بقوة، فستكون تلك شهادة ثقة بأطروحة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي برمتها.</p> <p>وتجدر الإشارة إلى أن توقيت الطرح ليس مصادفة: فمع دخول الربع الأخير من العام، تتسابق شركات البنية التحتية على تأمين التمويل قبل أي تقلب محتمل في شهية السوق، كما أن الإفصاح العلني الآن يمنح الشركة عدة أشهر لبناء سجل تداول قبل إعلان نتائج العام الكامل. ويرى مراقبون أن نجاح هذا الاكتتاب قد يشجع شركات آسيوية أخرى على التوجه إلى وول ستريت بدلا من البورصات المحلية، بحثا عن التقييمات الأعلى والسيولة الأعمق.</p> <p>الخلاصة أن اكتتاب داي ون ليس قصة شركة واحدة، بل مؤشر على تحول مراكز البيانات إلى السلعة الأغلى في سباق الذكاء الاصطناعي. وإذا نجحت في جمع 5 مليارات دولار بالتقييم المستهدف، فسترسخ تسعيرا مرجعيا جديدا لقطاع بأكمله، وتفتح الباب أمام جولة اكتتابات قد تكون الأكبر في تاريخ البنية التحتية الرقمية. ومن يتابع هذا الملف من الخليج، فعليه أن يراقب شيئين: سعر الطرح النهائي، وقائمة المستثمرين الرئيسيين، ففيهما تكمن خريطة القوى الجديدة لاقتصاد الحوسبة.</p>

عودة · دفتر الكثبان