ويب 3

الانقسام الكبير: المؤسسات تشتري بيتكوين وتهرب من إيثر... ماذا تقول التدفقات؟

سجلت صناديق بيتكوين الفورية تدفقات صافية بـ119 مليون دولار الثلاثاء معكسة نزيف الاثنين، بينما تكبدت صناديق إيثر سادس خسارة يومية متتالية بـ202 مليون دولار، في وقت هبط فيه البيتكوين دون 83 ألف دولار مع تصفية مراكز بـ714 مليون دولار.

<h3>تدفقات متعاكسة في يوم واحد</h3> <p>شهدت صناديق بيتكوين الفورية المتداولة في الولايات المتحدة تدفقات صافية بلغت 119 مليون دولار يوم الثلاثاء، وفق بيانات سوسو فاليو، معكسة بذلك نزيفاً بلغ 90 مليون دولار يوم الاثنين. ويشير هذا التحول السريع إلى أن شهية المؤسسات تجاه بيتكوين ما تزال حاضرة رغم التقلبات.</p> <p>في المقابل، عانت صناديق إيثر الفورية من تدفقات خارجة بلغت 202 مليون دولار في الجلسة نفسها، مسجلة بذلك سادس جلسة خسارة متتالية، ليصل إجمالي النزيف التراكمي إلى 408 ملايين دولار. وكان صندوق «إي تي إتش إيه» التابع لبلاك روك وحده مسؤولاً عن الجزء الأكبر من هذه التدفقات الخارجة، ما يثير تساؤلات حول تغير نظرة كبار مديري الأصول تجاه ثاني أكبر عملة رقمية.</p> <p>هذا التباين الحاد في يوم تداول واحد يلخص المزاج المؤسسي الحالي: ثقة حذرة في بيتكوين كأصل رقمي رئيسي، وفتور متزايد تجاه إيثر رغم مكانتها في منظومة التمويل اللامركزي.</p> <h3>بيتكوين تهبط رغم الشراء المؤسسي</h3> <p>المفارقة اللافتة أن التدفقات الإيجابية لم تمنع بيتكوين من الهبوط دون مستوى 83 ألف دولار، بخسارة تراوحت بين 2% و3%. ويعكس ذلك أن ضغوط البيع في السوق الفورية وسوق المشتقات كانت أكبر من قدرة التدفقات المؤسسية على الامتصاص.</p> <p>فقد تمت تصفية مراكز عملات رقمية بقيمة 714 مليون دولار خلال 24 ساعة، طالت 124,276 متداولاً، في موجة تصفية واسعة أشعلتها تحركات الأسعار الحادة وتفعيل أوامر وقف الخسارة. وتُظهر هذه الأرقام أن السوق ما تزال تعاني من فرط الرافعة المالية، حيث تكفي حركة سعرية محدودة نسبياً لإشعال سلسلة تصفيات متتالية.</p> <p>ويحذر متداولون من أن استمرار التصفية القسرية للمراكز ذات الرافعة العالية قد يبقي الضغط قائماً على الأسعار في المدى القريب، حتى مع استمرار التدفقات المؤسسية الإيجابية.</p> <h3>خلفية قاتمة: العوائد عند قمة 24 عاماً والنفط فوق 101 دولارات</h3> <p>لا يمكن فهم أداء العملات الرقمية بمعزل عن الخلفية الاقتصادية الكلية. فعوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات لامست أعلى مستوى لها منذ 24 عاماً، ما يجعل الأصول الآمنة المدرة للعائد أكثر جاذبية نسبياً على حساب الأصول عالية المخاطر.</p> <p>كما تجاوز سعر خام برنت مستوى 101 دولاراً للبرميل، وسط توترات جيوسياسية ترفع علاوة المخاطر في أسواق الطاقة. ويمثل ارتفاع أسعار النفط عاملاً تضخمياً إضافياً قد يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو سيناريو سلبي تقليدياً للأصول الرقمية.</p> <p>وفي مثل هذه البيئة، يميل المستثمرون إلى التمييز بين الأصول الرقمية بدلاً من التعامل معها كسلة واحدة، وهو ما يفسر جزئياً الانقسام بين بيتكوين وإيثر.</p> <h3>توم لي وبيتماين: التوقف عند 5% من إيثر</h3> <p>في تطور لافت، كشف توم لي، رئيس مجلس إدارة شركة بيتماين، خلال مشاركته في مؤتمر «توكن 2049» بسنغافورة، أن الشركة ستتوقف عن تجميع عملة إيثر بمجرد بلوغ حيازتها 5% من المعروض المتداول. وتحتفظ الشركة حالياً بـ6,016,414 عملة إيثر، أي نحو 4.9% من المعروض، بقيمة تقارب 15.5 مليار دولار.</p> <p>وكانت بيتماين تشتري إيثر أسبوعياً منذ يونيو 2025، في واحدة من أكثر استراتيجيات التجميع المؤسسي جرأة في سوق العملات الرقمية. ويعني إعلان التوقف عند عتبة 5% أن أحد أكبر المشترين المنهجيين لإيثر سيخرج قريباً من جانب الطلب، وهو ما قد يفسر جزئياً ضعف التدفقات الأخيرة.</p> <p>ويرى مراقبون أن تصريحات لي تعكس نضجاً في استراتيجيات الخزانة الرقمية للشركات، حيث تتحول من التجميع المفتوح إلى أهداف محددة سلفاً، ما يضفي مزيداً من الانضباط — ومزيداً من القدرة على التنبؤ — على سلوك كبار الحائزين.</p> <h3>ماذا يقول الانقسام لمستثمري المنطقة؟</h3> <p>بالنسبة للمستثمرين في الخليج والمنطقة العربية، يحمل الانقسام الحالي بين بيتكوين وإيثر رسائل مهمة. أولها أن سوق العملات الرقمية لم تعد تتحرك ككتلة واحدة، وأن الانتقاء بين الأصول أصبح ضرورة وليس ترفاً. فالفجوة بين أداء العملتين تعكس اختلافاً في السردية الاستثمارية: بيتكوين كـ«ذهب رقمي» ومخزن للقيمة، وإيثر كورقة تقنية مرتبطة بنشاط منظومة التمويل اللامركزي.</p> <p>وثانيها أن التدفقات المؤسسية، رغم أهميتها كمؤشر للثقة طويلة الأجل، لا تحمي من التقلبات قصيرة الأجل في سوق ما تزال تعاني من الرافعة المالية المفرطة. فالاعتماد على التدفقات وحدها لتوقيت الدخول قد يكون مضللاً.</p> <p>وثالثها أن البيئة الكلية — أسعار الفائدة وأسعار النفط — ما تزال المحرك الأعمق لشهية المخاطرة، وأن أي رهان على العملات الرقمية يجب أن يأخذ في الحسبان مسار السياسة النقدية الأمريكية.</p> <h3>درس الدورات السابقة: الفرز يسبق التعافي عادة</h3> <p>يذكر محللون بأن مراحل «الفرز» بين الأصول الرقمية ليست جديدة، بل تكررت في دورات سابقة: ففي كل موجة هبوط حادة، تتجه السيولة المؤسسية أولاً نحو بيتكوين بوصفها الأصل الأكثر سيولة والأوضح سردية، بينما تعاني العملات البديلة — بما فيها إيثر — من تخارجات أعمق. ثم عندما تستقر السوق، تعود السيولة تدريجياً إلى الأصول ذات الاستخدامات التقنية.</p> <p>غير أن الدورة الحالية تحمل فارقاً مهماً: وجود صناديق المؤشرات الفورية يجعل التدفقات المؤسسية مرئية يومياً وقابلة للقياس، ما يمنح المستثمرين مؤشرات أوضح من أي دورة سابقة. فبدلاً من التخمين حول شهية المؤسسات، أصبح بالإمكان قراءتها رقماً برقم، وهو ما يجعل إشارات الانقسام الحالي أكثر مصداقية وأصعب تجاهلاً.</p> <p>ويبقى السؤال المفتوح: هل يمثل تخارج بلاك روك من إيثر إعادة توازن تكتيكية أم بداية تحول استراتيجي أطول؟ الإجابة ستتضح من تدفقات الأسابيع المقبلة، ومن قدرة منظومة إيثر على تقديم محفزات استخدام جديدة تعيد إقناع مديري الأصول الكبار.</p> <p>وفي المحصلة، يبدو أن السوق تدخل مرحلة فرز وتمييز: المؤسسات تشتري بيتكوين انتقائياً وتبيع إيثر بحزم، والرافعة المالية تُطهَّر بالتصفيات، والخلفية الكلية تزداد صعوبة. والحكم الذي ترويه التدفقات واضح — الثقة المؤسسية لم تعد تُمنح للقطاع كله، بل تُنتزع أصلاً بأصل. ومن يستوعب منطق هذا الفرز مبكراً سيكون في وضع أفضل عندما تستقر العاصفة.</p>

عودة · دفتر الكثبان