الذكاء الاصطناعي

«TeleAgent» الصينية تتجاوز 1.5 مليون مستخدم: وكلاء الذكاء الاصطناعي يدخلون عصر التنفيذ

أعلنت تشاينا تيليكوم أن وكيل الذكاء الاصطناعي المكتبي «TeleAgent» تجاوز 1.5 مليون مستخدم مسجّل وأكثر من 200 ألف مستخدم نشط يومياً، بنمو يقارب 55 ضعفاً منذ منتصف يونيو. ويعكس الانتشار السريع تحول وكلاء الذكاء الاصطناعي من فهم الأوامر إلى تنفيذ المهام فعلياً.

<p>في افتتاح معرض PT Expo China 2026 في بكين يوم التاسع من أكتوبر، وقف ليو قويتشينغ، المدير التنفيذي والرئيس والمدير التنفيذي للعمليات في تشاينا تيليكوم، أمام جمهور من قادة قطاع الاتصالات والتكنولوجيا ليعلن رقماً أربك حسابات كثير من مراقبي السوق: وكيل الذكاء الاصطناعي المكتبي «TeleAgent» تجاوز حاجز 1.5 مليون مستخدم مسجّل، مع أكثر من 200 ألف مستخدم نشط يومياً. لكن الرقم الأهم لم يكن العدد ذاته، بل الإيقاع الذي تحقق به؛ ففي منتصف يونيو الماضي، أي قبل أقل من أربعة أشهر، لم يكن الوكيل قد تجاوز 27 ألف مستخدم مسجّل. أي أن النمو خلال هذه الفترة القصيرة بلغ نحو 55 ضعفاً، وهو إيقاع نادر في سوق وكلاء الذكاء الاصطناعي المزدحم أصلاً بالمنافسين.</p><p>وليس هذا مجرد رقم تسويقي آخر يُضاف إلى سباق نماذج الذكاء الاصطناعي المحموم. الفارق الجوهري بين «TeleAgent» وتطبيقات الدردشة الذكية التي اعتاد عليها المستخدمون خلال العامين الماضيين هو أن هذا المنتج لا يكتفي بفهم ما يقوله الموظف، بل ينجز ما يطلبه فعلياً: إعداد المستندات، وجدولة الاجتماعات، ومعالجة البيانات، وتنسيق سير العمل بين الأنظمة المختلفة داخل المؤسسة. وكما يلخص القائمون على المشروع الفلسفة وراء المنتج: «TeleAgent marks the shift of AI from understanding what is said to getting things done» — أي إن الوكيل يمثّل انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد فهم ما يُقال إلى إنجاز المهام فعلاً. هذا التحول من «الإجابة» إلى «التنفيذ» هو ما يميز جيل الوكلاء الجدد عن جيل روبوتات المحادثة الذي سبقه.</p><h3>النشر الخاص: البيانات لا تغادر أسوار المؤسسة</h3><p>وراء هذا النمو المتسارع خيار تصميمي دقيق لا يقل أهمية عن القدرات التقنية نفسها. ففي منتصف أغسطس الماضي، أطلقت الشركة نسخة النشر الخاص (Private Deployment) من الوكيل، وهي نسخة تتيح للمؤسسات تشغيل النماذج والبيانات على خوادمها المحلية، دون أن تغادر أي معلومات حساسة أسوار الشركة. هذا الخيار كان حاسماً في سوق مثل الصين، حيث تتعامل البنوك والهيئات الحكومية والشركات الكبرى مع بيانات لا تقبل المساومة على أمنها أو على مكان تخزينها. فالوكيل الذي يطلب من الموظف رفع مستندات الشركة إلى سحابة خارجية سيبقى تجربة فردية محدودة، أما الوكيل الذي يعمل داخل البنية التحتية للمؤسسة فيتحول إلى أداة عمل جماعية.</p><p>ويطوّر المنتج شركة TeleAI، الذراع التكنولوجية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي ضمن مجموعة تشاينا تيليكوم، وهي من الشركات الصينية القليلة التي تجمع بين تطوير النماذج الكبيرة وامتلاك البنية التحتية للاتصالات التي تعمل عليها هذه النماذج. ويدعم الوكيل أنظمة التشغيل Windows وmacOS، إضافة إلى أنظمة التشغيل الصينية المحلية مثل نظامي كيلين (Kylin OS) ويونيونتك (UOS) الصينيين، وهو تفصيل يعكس رهان الشركة على السوق المؤسسي الصيني المحلي أولاً، حيث تفرض سياسات التوطين التكنولوجي نفسها على مشتريات الجهات الحكومية والشركات الكبرى.</p><h3>سوق المهارات: النمو بقدرات المستخدمين أنفسهم</h3><p>الجانب اللافت الآخر في قصة «TeleAgent» هو «سوق المهارات» (Skills Market) المدمج في الوكيل، الذي تجاوز عدد المهارات فيه 50 ألف مهارة، والمفاجأة أن 99% منها من ابتكار المستخدمين أنفسهم وليس من فريق التطوير. عملياً، هذا يعني أن كل موظف أو فريق عمل يمكنه تحويل مهمة متكررة — كتلخيص محاضر الاجتماعات، أو تجهيز التقارير الدورية، أو متابعة الفواتير — إلى مهارة جاهزة يتشاركها مع زملائه بنقرة واحدة. وبهذا، لا يتوسع المنتج بقدرات فريق التطوير وحده، بل بقدرات مجتمعه بأكمله، وهو ما يفسّر جزئياً هذا الإيقاع الصاروخي في الانتشار: كل مستخدم جديد لا يستهلك القيمة فحسب، بل ينتجها أيضاً.</p><p>وهذه الديناميكية تذكّرنا بأن معركة وكلاء الذكاء الاصطناعي لن تُحسم بالنماذج الأكبر حجماً بالضرورة، بل بالمنتج الذي يختصر الزمن بين التبني والتوظيف الفعلي. فالمؤسسات لا تشتري «ذكاءً اصطناعياً» مجرداً، بل تشتري ساعات عمل موفرة وأخطاء أقل وسرعة أكبر في إنجاز المعاملات. وحين يرى مدير قسم أن فريقه وفّر ساعات أسبوعياً بفضل مهارة ابتكرها زميل في القسم المجاور، يصبح قرار التوسع في الاستخدام تحصيل حاصل، لا حملة تسويق.</p><h3>ماذا يعني ذلك لمنطقة الشرق الأوسط؟</h3><p>ولا يمكن فصل هذا النمو عن السياق الأوسع للسباق الصيني في وكلاء الذكاء الاصطناعي. فخلال عام 2026 وحده، أطلقت كبريات شركات التكنولوجيا الصينية عشرات الوكلاء المتخصصين في خدمة العملاء والبرمجة والتسويق، لكن «TeleAgent» اختار ساحة مختلفة: مكتب الموظف العادي. هذه الساحة أقل بريقاً إعلامياً من روبوتات المحادثة العامة، لكنها أعمق أثراً اقتصادياً، لأنها تستهدف ساعات العمل الفعلية لا فضول المستخدمين العابر. وتشير تجربة الأشهر الماضية إلى أن المؤسسات التي بدأت بفريق تجريبي صغير سرعان ما وسّعت الاستخدام ليشمل إدارات كاملة، بعد أن لمست العائد مباشرة في تقارير الإنتاجية. وهذا النمط من «الانتشار الفيروسي المؤسسي» هو ما يصعب على المنافسين تقليده، لأنه يُبنى على الثقة المتراكمة لا على المزايا التقنية وحدها.</p><p>قد يبدو الخبر الصيني بعيداً عن منطقة الخليج، لكن دلالاته ليست كذلك. فالشركات والمؤسسات الحكومية في المنطقة تعيش تحديات شبيهة إلى حد كبير: رغبة جامحة في أتمتة العمل المكتبي ورفع الإنتاجية، مقترنة بحساسية شديدة تجاه سيادة البيانات وعدم خروجها خارج الحدود الوطنية. نموذج النشر الخاص الذي اعتمدته تشاينا تيليكوم يقدّم إجابة عملية على هذا التوتر المزمن بين الابتكار والسيادة، وهو ما يتناغم مع توجهات المنطقة نحو «الذكاء الاصطناعي السيادي» الذي تبنته الإمارات والسعودية صراحة في استراتيجياتهما الوطنية. كما أن فكرة سوق المهارات المفتوح للمستخدمين تختصر الزمن بين تبنّي التقنية وتوظيفها فعلياً في سير العمل اليومي، وهي الفجوة التي تفشل عندها كثير من مشاريع التحول الرقمي.</p><p>الخلاصة أن «TeleAgent» ليس قصة نجاح منتج فحسب، بل مؤشر على انتقال أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي: من الذكاء الذي «يجيب عن الأسئلة» إلى الذكاء الذي «ينفّذ المهام». ومن يملك مفاتيح هذا الانتقال في المؤسسات — عبر النشر الآمن للبيانات، وتوظيف مجتمع المستخدمين في بناء القدرات — قد يعيد رسم خريطة العمل المكتبي خلال السنوات القليلة المقبلة، في الصين أولاً، وربما في أسواق الخليج لاحقاً، حيث تتسابق المؤسسات الكبرى على تبنّي كل ما يختصر المسافة بين الفكرة والتنفيذ.</p>

عودة · دفتر الكثبان